الشيخ السبحاني

5

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الإسلامية الغراء

وحدة السلطة التنفيذية والقضائية وفصلهما إنّ الرائج في العصور المتأخرة فصل السلطتين القضائية والتنفيذية لمصالح تقتضيه ، ولكلّ سلطة حدودها ومجال نفوذها ، لئلّا تتداخل إحداهما في شؤون الأُخرى . ولا نرى في الإسلام أصلًا لهذا الفصل ، لا بمعنى انّ الإسلام ينهى عنه ويمنع منه ، بل ترك فصل السلطتين أو وحدتهما إلى مقتضيات الزمان ، فالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أوّل من مارس القضاء في الشريعة الإسلامية كما مارس في الوقت نفسه السلطة التنفيذية ، فكان بشخصه يُمثِّل السلطتين ، وقد بلغ عناية القرآن بلزوم التسليم أمام قضائه حدّاً ، عدّ التسليم لقضائه من مقدمات الإيمان ، قال سبحانه : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ( النساء / 65 ) ، فكان حاكماً وقاضياً وفي الوقت نفسه كان ينصب القضاة ، فقد بعث صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عليّاً إلى اليمن للقضاء ودعا في حقّه قائلًا : « اللّهمّ اهد قلبه وثبّت لسانه » « 1 » . كما بعث معاذاً إلى اليمن لهذه المهمة أيضاً ، وسار على هذا النهج ، الخلفاء الذين أخذوا بزمام الأُمور بعد رحيل النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فكانوا ولاة وقضاة في آن واحد . ولما غادر الإمام عليه السلام البصرة إلى الكوفة وجعلها دار الخلافة ، فقد مارس القضاء وهو وال إضافة إلى أنّه عليه السلام نصب شريحاً لمهمة القضاء وشرط عليه أن لا ينفذ ما قضاه حتى يعرضه عليه . « 2 » فالفصل بين السلطتين أو وحدتهما أمر متروك إلى المصالح . وهنا نكتة جديرة بالبحث وهي انّ الحافز من وراء فصل السلطتين في الأوساط الغربية هو عدم اشتراطهم شيئاً من المواصفات في السلطة التنفيذية سوى الدهاء و

--> ( 1 ) الجزري : جامع الأُصول : 1 / 549 أخرجه أبو داود والترمذي . ( 2 ) الوسائل : 18 ، الباب 3 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 1 .